محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
272
المجموع اللفيف
والهبير [ 1 ] ، ومضرّط البخت أصعبها ، وعلّك تقول أيها القارئ المتصفح أن الذي شرحته مشهور متعالم ، ومعروف متدارك [ 2 ] ، وإنما يذكر الغريب الشارد ، ما الأمر كما ذهب إليه وهمك ، وزاغ فيه ظنك ، فلو تزك الناس أعراضهم من النظم والنثر ، والجد والهزل ، اعتمادا على السابقين الأولين ، لماتت الخواطر ، وسقطت الهمم ، ولكن لكل جديد لذة [ 98 و ] ولكل حديث بهجة ، كما أنّ كل قديم يسأم ، وكل [ حديث ] ينشم [ 3 ] ، فأنت إذا تأملت شعر امرئ القيس ، وجدته قد سبق إلى كل معنى نادر ، وذهب بكل فضل باهر ، ولم يترك لذي نيقة [ 4 ] مجالا يشق فيه غباره ، ومقالا يبلغ فيه شأوه ، ولا ترى اليوم أكسد من ديوان شعر بالعراق ، وقد صارت الرغبة كلها في ديوان أبي نواس [ 5 ] والصنوبري وكشاجم والمتنبي ، وأشباههم من شعراء الوقت . ثم اعلم أن أكثر من تراه قد حجّ ، ولا تجده إذا اختبرته يعرف صدرا من ورد ، ولا يفرّق بين غور ونجد ، وأنا سألت شيخا بماه الكوفة [ 6 ] ، له ظاهر يغرّ وباطن يعرّ [ 7 ] ، وقد جاء عائدا من الحجّ : كيف خلّفت بيت اللّه الحرام ؟ قال : كسائر البيوت ، ولكن كل شيء يحتاج إلى بخت . فهل هذا وأشباهه إلا صور ممثّلة وأشباح مهملة ، وبهائم مرسلة ، وإذا سألت هذا : فيم خرج ، وأين
--> [ 1 ] الهبير : قال ابن السكيت : الهبير المطمئن في الرمل ، والهبير رمل زرود في طريق مكة ، كانت عنده وقعة ابن أبي سعيد الجنّابي القرمطي بالحاج سنة 312 ه ، قتلهم وسباهم وأخذ أموالهم . ( ياقوت : الهبير ) [ 2 ] في حاشية الأصل : ( كذا في نسخة الوزير ، والصواب : متداول ) . [ 3 ] الكلمة في الأصل غير معجمة غير حرف الشين ، وتحتمل : يبشم ، أو ينشم . ينشم : تتغير رائحته ، وتنشم منه علما استفاد منه وتاطف في التماسه . [ 4 ] ذو نيقة : الذي يبالغ في التجويد وحسن الاختيار . [ 5 ] في حاشية الأصل : ( أظن أنه أبو فراس مكان أبي نواس ، لأن با نواس ليس من هذه الطبقة . ) [ 6 ] ماه الكوفة : الماه بالهاء خالصة : قصبة البلد ، ومنه قيل : ماه البصرة ، وماه الكوفة ، وماه الكوفة هي الدينور . ( ياقوت : ماه الكوفة ، ماه البصرة ) [ 7 ] يعر : يخزي ، والعرّة : الخلّة القبيحة ، والمعرة : المساءة والمكروه .